الأربعاء , 20 سبتمبر 2017
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير التنفيذيعمرو سليم
عاجل

مقالات


18 مارس 2016 3:16 م
-
اضواء حول تحرير طابا .. في الذكري 27 لعودتها لاحضان الوطن



 

 

 

 

 بقلم - اللواء اركان حرب مسعد الششتاوي:

مستشار مدير الشئون المعنوية بالقوات المسلحة المصرية

 


اذا كانت حرب أكتوبر 1973 قد أدت دورها العسكرى بنجاح إلا أن الصراع المسلح فى ظل الظروف الدولية المعاصرة لم يعد وحده قادرا على حسم اى صراع لتحقيق نصر كامل ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن حرب أكتوبر قد ارست قواعد الشريعة لإستئناف الصراع بين العرب وإسرائيل وذلك بإستخدام القنوات السياسية .... وخير دليل على صحة هذا الرأى هو ذلك الاداء المصرى الدبلوماسى والسياسى المتميز وضرب القوة بالقانون .... فى سبيل عودة طابا الى سيناء ارض الفيروز فى السادس عشر من مارس 1989 .... فلم تكن قضية طابا مجرد اّخر بقعة من التراب الوطنى تم إستعادتها الى احضان مصر من خلال مفاوضات شاقة ومضنية ..... ولم تكن بقعة مساحتها كم2 واحد او اقل من ارض سيناء الواسعة فحسب ..... ولكنها تعتبر نموذجا للإلتزام الوطنى ورمز احترام السيادة الوطنية ,.... وتطبيقا للمبدأ الذى اعلنته مصر           منذ المراحل الاولى من النزاع بعدم التفريط فى ذرة من ترابها الوطني .

وقد يكون من الافضل البدء أولا بالتعرض للقيمة الإستراتيجية بمنطقة طابا بصفة خاصة مارا بخط الحدود الدولية على الإتجاة الإستراتيجى الشمالى الشرقى /السينائى لما لذلك من أهمية ....

فطابا تعتبر محدودة المساحة (اقل من واحد كيلو متر مربع) تقع على الساحل الغربى لخليج العقبة وعلى مسافة خمسة أميال من رأس الخليج (بحراً) وداخل الحدود المصرية بثلاثة اميال وبالقرب من مصادر اّبار المياه العذبة ... وتتحكم طابا فى الممرات المتجهه الى وسط سيناء وكذا فى الطريق المتجه الى غزة شمالا .... اى ان طابا ( من الناحية الإستراتيجية) تعتبر مفتاح الدخول الى جنوب إسرائيل عبر سيناء وبالعكس.

كما أنها فى نفس الوقت تطل على ميناء إيلات الامر الذى يسمح لمن يتواجد فيها بالسيطرة على هذة المنطقة الحيوية والتى تمثل شريان هاما الى قارة اّسيا وأفريقيا، كذلك فإن المنطقة من خليج العقبة والى مسافة 20 كم  شمالاً عبارة عن هضبة جبلية يمتد بها وادى طابا الذى يخترقة ممرين جبليين يتجهان إلى إيلات ... ويكون إحداهما جزءا من طريق الحج البرى القديم بسيناء .

ويعتبر المثلث : طابا / العقبة / رأس النقب مثلثا إستراتيجيا بفكر العمليات الحربية : ترتكز قاعدة

( طابا / رأس النقب ) على الحرف الشرقى لوادى طابا حيث تتحكم الرأس المطل على الخليج بالطريق الساحلى ومخرج الممر ..... كما ان هذا المثلث يمكن أن يمتد ليكون مثلثا اّخر هو : العقبة / شرم الشيخ / السويس .

وبوجه عام فإن أهمية الارض التى يمتد خلالها خط الحدود الدولية الشرقية حتى رفح شمالا ترتبط بالتوفير النسبى لموادر المياه العذبة وطرق التحركات الرئيسية ( الجنوبى ، الاوسط، الشمالى)..... كما ان بعضها يصلح للزراعة والتنمية السكانية ولاعمال السياحة على النحو الذى حدث فى منطقة طابا .

أولا : بداية المشكلة :

1- بدأت مشكلة طابا الاولى فى مطلع القرن الماضى بين مصر وسلطة الإحتلال البريطانى كطرف أول  مع الدولة العثمانية كطرف ثان فى يناير 1906 بأن ارسلت تركيا قوة لإحتلالها مخالفة بذلك ما جاء بفرمان  و1841 و 1892 الخاصين بولاية مصر والحدود الدولية الشرقية لها والممتدة من رفح شمالاً على ساحل البحر المتوسط إلى رأس خليج العقبة جنوبا شاملة قلاع العقبة وطابا والمويلح .

2- تدخلت بريطانيا سياسيا لمنع تكريس الأمر الواقع على الحدود وذلك حفاظا على مصالحها فى مصر أو لمجرد إحتمال تهديد قناة السويس ذلك الشريان الحيوى الذى يصلها بمستعمراتها فى جنوب شرقى اّسيا والهند

3- إزدادت المشكلة تعقيداً فتعددت أزمة طابا وامتدت الى منطقة رفح فى اقصى الشمال حيث قامت الدولة العثمانية أيضاً بقوة من جنودها بإحتلال مدينة رفح وإزالة اعمدة الحدود الدولية بها .

4- وبفشل الجهود السياسية قامت بريطانيا بتقديم إنذار نهائى إلى الباب العالى فى تركيا اوضحت فيه بأنها ستضطر الى الإلتجاء الى القوة المسلحة مالم يتم إخلاء طابا ورفح وعودة القوات التركية بهما إلى ما وراء الحدود الامر الذى دفع بالسلطة العثمانية بها إلى الرضوخ لهذة المطالب الشرعية حيث قامت بتعيين لجنة مشتركة مع الجانب المصرى والبريطانى لإعادة ترسيم الحدود الى ما كانت عليه مع تدقيقها طبقا لمقتضى القواعد الطبوغرافية لتحديد نقاط الحدود الطبيعية بدأً من رفح ثم تتجه اللجان جنوبا بشرق على خط مستقيم تقريبا الى نقطة حدود على خليج العقبة تبعد ثلاثة أميال من العقبة مما يستدل منه ببساطة عودة منطقة طابا الى داخل الحدود المصرية بنحو ثلاثة أميال حيث أنتهى المهندسون البريطانيون مع مندوب المساحة المصرية واللجنة التركية من رسم الخرائط وتثبيت علامات الحدود من رأس طابا جنوباً ماراً على رؤوس جبال طابا الشرقية المطلة على وادى طابا ثم يتجه الخط الفاصل بالإستقامات المحددة وشمالاً حتى رفح إلى شاطىء البحر المتوسط مع تحديد هذا الخط الحدودى فلكياً وعلى الخرائط المرفقة بالاتفاقية المبرمة بين كلا من مصر وبريطانيا وتركيا بخط أسود متقطع هذا وقد بلغ عدد الاعمدة المقامة وقتئذ على الحدود الدولية _وحتى وقتنا هذا_ عدد 91 عموداً للحدود بدأ من العمود رقم واحد عند ميناء رفح على تل الخرايب واّخر عمود وهو رقم 91 على رأس طابا حيث أنتهى نهائياً بناء هذه الأعمدة الأسمنتية المسلحة فى 9 فبراير 1907 .. وهكذا عادت طابا مصرية فى طلع القرن العشرين وكانت الوثائق المتعلقة بمشكلة طابا الأولى بوثائقها التاريخية خير سند قانونى دعم موقف المفاوض المصرى فى أزمة طابا الثانية فى الثمانينات القرن العشرين الماضى .

 

ثانيا لقد قدر لطابا أن تكون مرة أخرى بعد حرب أكتوبر 73 فى دائرة الأهتمام لكلا من الدبلوماسية المصرية والإسرائيلية وذلك خلال ترتيبات الإنسحاب النهائى من شبه جزيرة سيناء ...  تنفيذا لإتفاقية السلام حيث بدأت مقدمات المشكلة كالاّتى  :

1- عادت مسألة الحدود الاّمنة تطرحها إسرائيل بعد حرب أكتوبر 73 إلى ان عقدت معاهدة السلام فى مارس 79 والتى نصت فى مادتها الأولى على أن تنسحب إسرائيل من سيناء الى ماوراء الحدود الدولية بين مصر وفلسطين تحت الإنتداب .

إلا ان اسرائيل (بعد توقيع المعاهدة قررت توسيع الأقاليم التى تحيط بميناء إيلات ) وشرعت فى إقامة فندق سياحى فى وادى طابا دون إبلاغ مصر ومن هنا بدأ خلاف حول الحدود خاصة عند علامة الحدود رقم 91 بمنطقة طابا

3- وفى أكتوبر عام 81 وعند تدقيق اعمدة الحدود الشرقية اكتشفت اللجنة المصرية بعض مخالفات اسرائيلية حول عدد 13 علامة حدودية اخرى اردات اسرائيل ان تدخلها ضمن اراضيها واعلنت مصر بانها لن تتنازل او تفرط فى سنتيمتر واحد من اّراضيها وان الحفاظ على وحدة التراب الوطنى المصرى هدف اساسى وركيزة لكل تحرك .

4- دارت مباحثات على مستوى عالى بين الجانبين استخدمت إسرائيل فيها كل صنوف المراوغات واعلنت مصر بأن اى خلاف حول الحدود يجب أن يحل وفقا للمادة السابعة من معاهدة السلام والتى تنص خلاصتها بأن يتم الحل عن طريق المفاوضات وفى حالة فشلها يتم اللجوء الى التوفيق او التحكيم ...  ثم ابدت مصر رغبتها فى اللجوء الى مشارطة التحكيم فقامت بتشكيل لجنة فنية تضم مجموعة من الاساتذة والخبراءء المتخصصين فى القانون الدولى بدراسة الجوانب القانونية للتوفيق والتحكيم كما شكلت مصر لجنة فنية اخرى للاتفاق على النظام الذى سيسود المنطاق المتنازع عليها حيث رأت مصر أنها تفضل اللجوء الى التحكيم فى المقام الاول

5- استمرت المفاوضات لاكثر من اربع سنوات ولصعوبة الوصول الى حل للنزاع وبتدخل الولايات المتحدة الامريكية تم الاتفاق فى 11 سيبتمبر 86 الى اللجوء لهيئة تحكيم دولية تعقد فى جنيف بسويسرا حيث يحقق هدفين اساسيين اصر عليهما الجانب المصرى ضمن مشارطة التحكيم وهما

أ- تلتزم اسرائيل بتحكيم بجدول زمني محدد بدقة

ب- تحدد مهمة المحكمة بدقة بحيث تكون مهمتها الالوحيدة والمسندة اليها هى تثبيت الموقع الذى تراه صحيحا وترفض الموقع الذى اقترحة الطرف الاخر مع اعتبار الحكم نهائى يلزم تنفيذة دون تراجع

6- نتيجة الجهود الدبلوماسية والسياسية المكثفة ..., واستنادا للوثائق القانونيةوالتايخية الدامغة التى قدمتها مصر للمحكمة ... اضافة الى الزيارات الميدانية لهيئة المحكمة لنقاطالنزاع الحدودية على الطبيعة               

  (قبل الحكم).. رسخ للهيئة انطباع حقيقى عن اوضاع نقاط الحدود طبقا لدفاع ىووجهة النظر المصرية بعوامل قوتها.. ومن وجهة النظر الاسرائلية بعوامل ضعف حجتها ..افادت المحكمة فى اصدار الحكم لصالح مصر عام 1988 ثم فى تكييف اسباب هذا الحكم النهائى  له  وبعد صدور الحكم فى 29 سبتمبر 1988 لصالح مصر اصبحت القضية المثارة تتلخص فى تنفيذة  فقد حاولت اسرائيل التراجع عن التزامها بما جاء بمشارطة التحكيم فيمايخص بموافقتها عند توقيعة بان الحكم يلزم تنفيذة  الا انها لم تترك هذة الفرصة دون ان تمر دون محاولة الحصول على اكبر قدر من المزايا والتى تم حسمها اخيرا عن طريق اتفاق روما التنفيذى فى 29 نوفمبر 1988 بحضور اولايات المتحدة حيث انتهى بحل المسائل المعلقة والاتفاق على حلهانهائيا من خلال ثلاث اتفاقيات  تختص

اولا : بالنشاط السياحى .. وذلك بتعويض اسرائيل بمبلغ 37 مليون دولار وباسعار ذلك الوقت تدفعة مصر مقابل تسليمها المنشئات السياحية فى فندق ( سونستا طابا) والقرى السياحية ... وذلك على غرار ما حدث فى كل من : دهب ونويبع وشرم الشيخ من قبل.

ثانيا : كان الاتفاق الثانى يختص بتحديد موعد الانسحاب الاسرائيلى النهائى من طابا وتوصيل خط الحدود الى شاطىء الخليج  ( النقطة 91) وتحدد 15 مارس 1989

ثالثا : الاتفاق الثالث فقد كان يتعلق بنظام مرور الاسرائيليين الي ومن طابا الي جنوب سيناء ، فقد اتفقت الاطراف علي السماح للسياح الإسرائيليين بالدخول لطابا وفي حالة دخول السيارات يتعين ان يلصف علي السيارة كارت خاص  ، كذلك يسمح بالدخول والخروج من طابا الي ايلات في زيارات متعددة خلال 14 يوما ، وأن يحمل كل سائح جواز السفر الخاص به وأن يقوم بملئ بطاقة بيانات تختم بمعرفة السلطات المصرية في طابا وتكون صالحة لمدة 14 يوما .

وانتهت قضية طابا برفع الرئيس المصري الاسبق محمد حسنس مبارك العلم فوق اراضيها عام 1989 بعد معركة سياسية ودبلوماسية استمرت لاكثر من سبع سنوات ، وارادت مصر تكريس هذا الدرس من خلال نداء السلام الذي وجهه مبارك خلال مراسم الاحتفال بعودتها الي الوطن الام والذي جاء فيه :

ان الذين يعيشون بعقيدة ان الحرب هي التي تصون مصالحهم ووجودهم لا يستلهمون حكمة التاريخ ولا يعبرون عن نبض شعوبهم ابدا .


وكانت مصر تأمل ان يتفهم العالم مغزي الاشارة وان يدركوا ان استقرار المنطقة وأمنها يضمن الاقتناع بحتمية اعادة الحقوق والاراضي العربية لاصحابها .

 

 



التعليقات